الثلاثاء، 22 أكتوبر 2013

5) المفهوم المادي للتاريخ

5) المفهوم المادي للتاريخ

والجواب الذي نقدّمه على السؤال السابق هو أنّ ((كافة الأفكار الإنسانية قد نبعت من البيئة المادية التي عاش فيها وتحرّك خلالها)), هذا هو جوهر مفهوم المادية التاريخية.
في مجتمع بدائي، حيث يكون الإنسان على احتكاك دائم مع بعض الأشياء ولا يستخدم سوى أدوات أو أسلحة بدائية قليلة، تكون أفكاره بدائية، ومحدودة جداً. أمّا في مجتمع متقدّم وعالي التعقيد، حيث يكون الإنسان على احتكاك مع عدد لا متناهي من الأشياء والمواد، أي أنّه ضمن بيئة معقّدة، عندها تكون أفكاره معقدّة، تحمل جوانب متعدّدة، وواسعة.
بيئة الإنسان المادية هي التي تحدّد ليس فقط نطاق أفكاره بل أيضاً سماتها وخصائصها العامة. فالقانون الأول للحياة هو "المصونية الذاتية". على الإنسان أن يأكل ويحمي نفسه من العناصر. إنّ نموّ أفكاره يتبع بشكل رئيسي تطوّر وسائل وأدوات تأمين العيش الاستمرار. والسؤال الأول الذي يطرحه الإنسان، السؤال الوحيد الذي بقي هو السؤال الأول بالأغلبية، لا يتعلّق بالطريقة التي جئنا من خلالها إلى هذا العالم أو ما قد يحدث لنا بعد موتنا، بل "متى سنأكل؟". ذلك هو السؤال الأبدي. قد ينكر المثاليون مثل هذه "النظرة الدنيئة" لكننا يمكننا الاعتماد عليهم لنكون على طاولة الطعام في الوقت المحدّد.
منذ عدّة سنوات مضت تمّ إجراء اختبارات وتجارب سيكولوجية ضمن سجن كبير. كان من المقرّر إعدام أحد السجناء المحكومين بالإعدام شنقاً، وفي ساحة المحكمة حيث يمكن لجميع السجناء مشاهدة عملية الإعدام. ما أن تمّ لفّ الحبل حول رقبة الرجل المحكوم واستعداد المسؤول لجذب العتلة لإسقاط المحكوم، كان مئات المساجين الذين يشاهدون عملية الإعدام من خلال نوافذ زنزاناتهم صامتين. وكان علماء النفس يراقبون باهتمام وعن قرب أثر المشهد عندما علا صوت أحد المساجين مطالباً بمعرفة موعد طعامه: ((متى سنأكل؟)), وتبع ذلك صياح واحتجاجات مطالبة بالفطور.
إنّ الطريق الذي سار فيه الإنسان، مسافراً عبر العصور، كان طريقاً اقتصادياً بامتياز. فالأخلاق، والمبادئ، الدين، السياسة، الحرب، الفنون، وكافة الإنجازات التي حققها الإنسان، جميعها تقوم على أساس الاقتصاد. حاول فقط أن تبتعد عن الاقتصاد وانظر إلى أي مدى يمكنك المضي. فعندما قال نابليون: ((الجيوش تسير على بطونها))، فهو قال نصف الحقيقة. فالجنود ليس هم وحدهم الذين بحاجة لأن يأكلوا. والحقيقة هي أنّ كامل المجتمع يسير على بطنه. وهذه حقيقة غاية في البساطة لكنّ أغلب الناس يغضّون أبصارهم عنها.
التنظيم الاجتماعي الحالي معقد جداً، البنية الفوقية الاجتماعية تخفي الأساس الاقتصادي الذي تقوم عليه. الكثير من الناس يشعرون بالأمان وباتوا يتغاضون عن حقيقة أنّهم يأكلون ويلبسون الملابس، وأنّ هذه الأشياء ينبغي إنتاجها من خلال العمل. لكن هناك الملايين من الذين لا ينالون أي فرصة لنسيان ذلك. إنّ المشكلة الاقتصادية تقف عند الباب. في المرتبة الثانية بعد هذا العامل مباشرةً _الاقتصاد_ تأتي العوامل المادية الأخرى، كالمناخ، الطبوغرافيا والخواص الطبيعية للبيئة التي يعيش فيها الإنسان. إذا كان المجتمع منطقة زراعية، أو مدينة صناعية، فإنّ لهذا الأمر تأثير مطابق ومنسجم على أفكار الشعب ومعتقداته. فجميع أفكار الإنسان، من أديان، أخلاق، سياسة، إلخ، ما هي إلا انعكاس للاقتصاد والبيئة المادية. فالدماغ يعمل كالمرآة تماماً. فهو يعكس جميع الأمور والأشياء المدخلة إليه من الوسط الخارجي. والحواس الخمس تقوم بنقل مستقبلاتها إلى الدماغ، "غذاء المخّ". يقوم الدماغ بهضم هذه المستقبلات التي استقبلتها الحواس ويحوّلها إلى أفكار. إذا أصبحت الأفكار مثبّتة تقريباً أطلقنا عليها تسمية آراء. فالدماغ لا يمكنه عكس ما هو غير موجود. فهو لا يعكس إلا الأمور الحقيقية والواقعية.
عندما يولد الإنسان يكون عقله صفحة بيضاء ناصعة لم يدوّن عليها أي شيء بعد. وأنا هنا لا أقول أنّ عقله خال، بل غير قادر على أداء عملية التفكير. في هذه المرحلة يكون محكوماً من قبل الغريزة وحدها. فهو يستجيب للجوع أو الألم. أمّا يقظة عقله تتبعها يقظة في الحواس. الحواس الخمس، الرؤية، السمع، الذوق، الشم، واللمس، يجب أن تُفَعّل أولاً قبل أن يكون من الممكن تجميع أيّة أفكار حول أي شيء في دماغ الطفل.
كافة الأكاذيب والخدع، جميع الخرافات والمخاوف، التي يكتسبها الطفل خلال نموه، هي نتاج بيئته. إنّها بمثابة "الهبات"، في أغلب الأحيان، التي يمنحها آباء مولعون لكن أغبياء لأبنائهم. فأي طفل عادي أو متوسط، أو حتى أقل من عادي، سيصبح ذكياً إذا اختلط نع أشخاص أذكياء. لكنّ نفس الطفل، إذا اختلط مع أشخاص أغبياء، فإنه سينمو وعقله مليء بالترّهات والأفكار الغبية، والخوف من الوحوش والعفاريت الخيالية. قد يقضي الطفل سنوات عديدة في الخوف من الكائنات الخفية والمخيفة والتي تعلّم الاعتقاد بوجودها والإيمان بها خلال تلك السنوات. وتلك هي الحالة دائماً عندما يكون الطفل سيء الحظ ويحظى بأهل أغبياء، أو أن يولد ويحيى ضمن بيئة متخلّفة، حيث تنتشر الخرافة والأوهام بين أفارد مجتمعه.
الحواس الخمس أشبه ما تكون بمسارات صغيرة تنقل مستقبلات الحواس إلى الدماغ. العديد من الناس يحملون أفكاراً غريبة حول طريقة عمل الدماغ ووظيفته. إنهم يضعون حول العقل سياجاً من اللغز والحيرة، في حين أنّ الدماغ ما هو إلا عضو طبيعي مثله مثل أي عضو آخر من أعضاء الجسد. وظيفة اليد، على سبيل المثال، تتمثّل في المسك والالتقاط، الكتابة وهكذا. ووظيفة القدمين هي المشي، الجري، القفز، وهلمّ جرا. ووظيفة المعدة هضم الطعام. أمّا وظيفة الدماغ فهي التفكير. لكن لا وجود لأيّة أفكار من دون مستقبلات حسية.
إذا لم يدخل المعدة أي طعام، لا يمكن أن تكون هناك عملية هضم. وإذا لم تدخل الدماغ أيّة مستقبلات حسية، فلا يمكن أن يكون هناك فكر. تنقل الحواس الخمس "غذاء الفكر". والعقل ببساطة هو عمل الدماغ ونشاطه، كما أنّ الهضم هو عمل المعدة ووظيفتها. تلك الوظيفة التي يقوم بها العقل والتي نسمّيها ذاكرة لا يمكن فصلها عن الدماغ، كما لا يمكننا فصل عملية الهضم عن المعدة. تلك الوظيفة للدماغ التي نسمّيها ذاكرة ما  هي إلا عملية تخزين للمستقبلات الحسية. صور لا حصر لها، أو صور فكرية، يتمّ تخزينها والاحتفاظ بها، بالشكل الذي كانت عليه، ليتمّ استخدامها مجدّداً عند الحاجة إليها، وفي أحيان كثيرة عندما لا نكون بحاجتها أو لا نرغب بتذكّرها حتى. هذه العملية تشبه عملية تخزين أعداد لا تحصى من الكلمات على جهاز التسجيل ليتم الاستماع إليها مجدّداً عندما نريد ذلك. وتبقى أشرطة التسجيل صامتة حتى نوصلها بالآلة التي تشغّلها وتصدر عندها تلك الكلمات عن طريق مكبّر الصوت. وذاكرتنا تبقى صامتة حتى يتمّ وصلها بالآلية العقلية، والتي نمتلك القدرة على تشغيلها عند الحاجة للتعبير عن المستقبلات الحسية المخزّنة، عن طريق الحديث، أو حتى الكتابة، وهلم جرا.
لا توجد صور فكرية في الدماغ إلا تلك التي يوجد لها مقابل في مكان ما من العالم الخارجي. بمعنى آخر، كافة الأفكار، مهما كانت معقدة أو غامضة، لها مصادر مادية خارجية، ويجب أن تكون مادية في أصلها. لا يمكن أن ينبثق الفكر من أي شيء إلا المادي. ولا يمكن أن ينبثق من لا شيء. وحتى الأمور والأفكار الخيالية، كبابا نويل على سبيل المثال، يوجد أصل مادي له في العالم المادي متجسّد في صورة رجل عجوز لطيف المظهر ذو لحية طويلة وبيضاء. أو كما يقول جوزيف ديتزغين فيما يتعلّق بالإيمان بالآلهة: ما هي إلا عبارة عن تركيبة فكرية لجسد أنثى يافعة ذات أجنحة على ظهرها. كلا الأمرين ماديان، الأجنحة والأنثى اليافعة.
هناك قصّة تروى عن رسّامي العصور الوسطى الكبار الذين كانوا يرسمون صوراً لملائكة على جدران الكنيسة. يقول أحد كهنة الكنيسة ضاحكاً على إحدى الصور: ((من قال أنّ الملائكة تطير وهي مرتدية صنادل؟)). فأجاب الرسّام على الفور ))ومن ذا الذي رأى ملاكاً لا يرتدي صندل؟))
إذا رأيت كابوساً وكنت تحلم بفيلة ذات أجنحة خضراء، أو أيّة خيالات وأحلام من أي نوع كانت، ومهما كانت خيالية، فيمكنك أن ترجع جميع هذه الصور الفكرية المركبة إلى مصادرها المادية. في الحقيقة، من المستحيل التفكير في أي شيء ليس له مصدر مادي. لم يكن هناك أي فكر في عقل الإنسان سوى ذلك الذي يمكن إرجاع أصله إلى الطبيعة ذاتها. لا يمكننا التفكير بلا شيء. حاولوا ذلك وانظروا بأنفسكم إلى أي مدى ستبلغون.
إلا أنّه ما زال هناك بعض الناس الذين يؤمنون أنّ الفكر متأصّل، أي أنّنا عندما ولدنا كانت أدمغتنا مجهّزة مسبقاً بمخزون معرفي كامل. هذه الفكرة غير منطقية على الإطلاق. فمذهب الأفكار الفطرية قد تمّ استبعاده الآن بشكلٍ كامل. هناك آخرون، في حين أنّهم لا يؤمنون بأنّ المعرفة متأصّلة في الدماغ البشري، نراهم يعذّبون أدمغتهم في البحث عن أشياء غير موجودة. إنّهم يعتقدون أنّهم إذا حبسوا أنفسهم داخل غرفة مغلقة فباستطاعتهم استخراج المعرفة من "أعماق عقولهم"، بطريقة أشبه باستخراج الماء من داخل البئر.
فالشيء الذي لا يدخل إلى العقل لا يمكن استحضاره منه. فإذا أردنا أن نمتلك معرفة حول موضوع معيّن علينا أن نعود إلى مصادره المادية ورصده بحواسنا، أو علينا الرجوع إلى الكتب أو وسائل أخرى لتحصيل تلك المعرفة التي عمل آخرون قبلنا على تحصيلها ومراكمتها باستخدامهم لحواسّهم وتسجيلها في الكتب.

ينبغي أن يتّضح أمام ناظريّ كل إنسان يمتلك ذرّة ذكاء أو عدم تحيّز أنّ البيئة المادية هي أساس ومصدر جميع الأفكار. والبيانات التالية التي أقدّمها حول بعض الأديان الرئيسية في العالم هي بغرض إثبات صحّة ما ذهبت إليه.

4) المفهوم المثالي للتاريخ

4) المفهوم المثالي للتاريخ

هذه النظرة إلى التاريخ، والتي تقدّمت اليوم بفضل المجتمع الرسمي، تقوم على نظرية الإرادة الحرة. فحسب هذه النظرة، الإنسان هو مخلوق حرّ. فهو يمتلك القوّة والإرادة للاختيار فيما يتعلّق بأفعاله وتصرّفاته، القدرة على الاختيار بين "الخير والشر". قد يمدّ له الله يد المساعدة، أو قد يغويه الشيطان، لكنّ الخيار النهائي يكون يبده وحده ولا أحد غيره. هذه الإرادة الحرة، هذه القدرة على الاختيار بين "الخير والشر"، ضرورية جداً لصنع إنسان "خطّاء". فإذا لم يكن بمقدور الإنسان الاختيار ف يمكن أن يكون "خطّاءً". عندها ستصل عملية إنقاذ الأرواح إلى نهاية مسدودة. اليوم تدافع الكنية عن نظرية الإرادة الحرّة باستماتة. لكن ما هي الإرادة؟ إنّها العقل الذي تتشكّل داخله الأفكار. المفهوم المثالي للتاريخ قائم على أساس فكرة بشرية.
من وجهة نظر المدافعين عن هذا المفهوم، تعتبر هذه الفكرة غاية في الأهمية. فالأشخاص الأخيار والصالحين هم الذين يحملون أفكاراً خيّرة وصالحة، أمّا الأشخاص الأشرار والسيئين فهم أولئك الذين يحملون أفكاراً سيئة وشريرة. الأفكار، سواءٌ أكانت خيّرة أم شريرة، تأتي أولاً ثمّ تتبعها الأفعال. الأشخاص الأذكياء هم نتاج الأفكار الذكية. والأشخاص الأغبياء هم نتيجة أفكارهم الغبية الخاصة. الأمم المتقدّمة تقوم على أفكار تقدّمية، أمّا الأمم المتخلّفة فإنّها تقوم على أفكار رجعية متخلّفة. الأشخاص التقدميون والناجحون هم كذلك بفضل أفكارهم التقدمية أمّا الأشخاص المتخلّفون فهم نتيجة أفكارهم البالية والقديمة. وهذا هو جوهر المفهوم المثالي للتاريخ.
إذا تتبنّينا هذا المفهوم المثالي للتاريخ وطبّقناه على المجتمع بشكل عام نجد أنّ الأمم العظيمة هي نتاج أمم معيّنة لديها رجال عظماء، والذين هم بدورهم نتيجة أفكارهم العظيمة. فالتاريخ _من وجهة النظر هذه_ يعني ببساطة أنّ الرجال العظماء هم صنّاع التاريخ. ويطلق على هذه الحالة في بعض الأحيان اسم "نظرية الرجل العظيم التاريخية". طبعاً تقع ضمن نطاق المفهوم المثالي. وكامل المفهوم يقوم على أساس الفكرة القائلة بأنّ الفكرة تأتي أولاً ثمّ تتبعها الأفعال بعد ذلك.
قد يكون هذا المفهوم صحيحاً إلى حدٍ ما. فلا يمكن إنكار حقيقة أنّ الأفكار تسبق الأفعال. على سبيل المثال، لا يمكننا أن نحصل على منزل حتى نمتلك في عقولنا فكرة عنه. يمكننا تخمين أو تصوّر الشكل الذي سيبدو عليه قبل البدء ببناءه. يمكن للمهندس المعماري أن يرسم مخطّطاً، إذ بإمكانه تصوّير المنزل قبل بناءه. فبإمكانه أن يريك كيف سيبدو بعد الانتهاء منه. ليس فقط أول طاولة من نوعها تمّ تصوّرها بكل كل طاولة يتمّ إنتاجها. ففكرة الطاولة ربما قد تولّدت أساساً من عملية وضع الطعام على صخرة مسطّحة أثناء تناوله.

إنّ تطبيق هذا المفهوم على جميع الأشياء والأمور، نحن ملزمون للاعتراف بأنّ الفكرة جاءت قبل صنع الطاولة. فإذا استعرضنا التاريخ من خلال وجهة النظر هذه عندها نكون مجبرين على الاستنتاج بأنّ كشفها يعني كشف الأفكار الإنسانية وسبرها. ليس هناك أي خطأ يتخلّل هذه النظرة حتى هذا الحد، لكنها لا تمضي إلى أبعد من ذلك، حيث أنّنا نواجَه من قبل سؤال غاية في الأهمية: ((إذا كانت كافة إنجازاتنا هي نتاج أفكارنا، إذا كان التاريخ ما هو إلا النتيجة الحتمية للأفكار الإنسانية، فمن أين جاءت هذه الأفكار أصلاً؟))

3) المفهوم اللاهوتي

3) المفهوم اللاهوتي

يقوم المفهوم اللاهوتي للتاريخ على أساس الاعتقاد أنّ هناك كائن غيبي أو كائنات غيبية خارقة تتجاوز العالم، سواء أكانت خيّرة أو شريرة، وأنّ جميع أفعال الجنس البشري وأعماله ما هي إلا انعكاسات لإرادة هذه الكائنات الماورائية. لذلك، فالتاريخ ما هو إلا سجلّ للمخطّط الإلهي الظاهر للأشياء.
إنّ مفهوم التاريخ استولى على الساحة لعصور عديدة. لكنّه بات اليوم حقلاً مهجوراُ تقريباً.  اللاهوتيون أنفسهم لن يعودوا يدافعون عنه، حيث أنّه يضعهم في موقف عبثي. فإذا كان صحيحاَ أنّ الإنسان يسير وفق إرادة إلهية، وأنّ أفعاله ما هي إلا جزء من خطّة إلهية، وإذا كان مقرّراً منذ الأول أن يؤدّي أفعلاً معينة ولا يستطيع الخروج عن الحطّة والقيام بأفعال أخرى، عندها يكون غير مسؤول بشكل مباشر عن أفعاله. القتل، الاغتصاب، السرقة وغيرها من الجرائم والجنح الأخرى جميعها أعمال ليست من صنع يديه. فما هو إلا وكيل متواضع وحقير ينفّذ مخطّط مشيئة إلهية أكبر وأقوى منه. يعبّر بنجامين فرانكلين في سيرته الذاتية عن مفهومه على الشكل التالي ((والآن أنا أتحدّث عن شكر الله وحمده، أنا أستحقّ بتواضع شديد أن أعترف بأني أنسب السعادة التي ذكرتها في حياتي السابقة لعطاءه الإلهي المقدّس، والذي قادني لطرق ووسائل لجأت إليها وحقّقت النجاح. وإيماني بذلك حثّني على الأمل، ومع ذلك لا يجب أن أفترض أنّ نفس الطيبة والنعمة ستستمرّ في النزول عليّ بتلك الدرجة من السعادة أو تمكّنني من تحمّل انقلابها القاتل، والذي قد أتعرّض له كما تعرضّ له آخرون، إنّ طبيعة ثروتي المستقبلية معرفة له فقط في نطاق القوى التي يباركها، حتى على مآسينا)).
روبرت برنز بدوره يعبّر عن نفس المعتقد في صلاته:
((أيّها الخالق العظيم! الذي تعلّمني كلّ ما أعرفه،
إلا أنّي متأكّد، بأنّي أعرفك وأعرف جميع أعمالك على الأرض،
لكن إذا كانت معاناتي تحلّ بي من أجل أن تتناسب مع خطّة حكيمة
إذن قرّرت روحي أن تتحمّل بثبات دون أن تشتكي))
عاش كل من برنز وفرانكلين في نفس الفترة أو العصر، عصر الثورات البرجوازية. خلال تلك الأيام، كان كلاهما من المثقفين المتقدّمين، لكنّهم لم يكونوا قادرين على التخلّص من المفاهيم اللاهوتية للكون وحكمه الإلهي.

حسب المفهوم اللاهوتي للتاريخ، من المنطقي الاعتقاد بأني إذا ما قمت بقتل شخص لن أكون أنا الملام. فليس بإمكاني القيام بأي شيء حيال ذلك طالما أنّ هناك قوّة أكبر مني قرّرت بالنيابة عني بأن أنفّذ هذا الفعل. من جهةٍ أخرى، إذا كان عليّ إنقاذ حياة شخص آخر، مقابل المخاطرة بنفسي، عندها لن أنال أي فضل بقيامي بذلك، طالما أنّ الأمر محتوم مسبقاً. كم مرةً سمعنا الناس يردّدون عبارة ((إنّها مشيئة الله)). إذا تمّ اعتماد هذا المفهوم اللاهوتي للتاريخ، عندها يعني ذلك أنّ الإنسان ليس مسؤولاً بشكل مباشر أو غير مباشر عن أفعاله. فأفعال "الخير" و"الشر" التي يقوم بها ليست أفعاله فعلياً. فما هو إلا عبارة عن أداة حقيرة ومتواضعة تنفّذ أوامر إرادة أقوى وأعظم. أمّا معاقبته على أفعاله وتصرّفاته هنا، أو في "العالم الآخر"، على ما اقترفه من أعمال ولم يكن بيده تجنّب اقترافها، فهو موقف عبثي وغير قابل للدفاع عنه.

2) كيف وُجِدَت الآلهة

 2) كيف وُجِدَتْ الآلهة

ما أن أصبح الإنسان واعياً ومدركاً لوجوده، سرعان ما أصبح قادراً على التفكير، وكان ملزماً بطرح السؤال على نفسه: ((من أين أتيت؟)) و((إلى أين أمضي؟)) وكان من الطبيعي جداً أن يتساءل عن كيفية مجيئه إلى العالم وظهوره على الأرض وماذا سيصيبه بعد الموت. كان يرى أصحابه يستغرقون في نومٍ عميق، من دون أن يستيقظوا. كان يرى آخرون يُقتَلون، وتخبو حياتهم. وسعى جاهداً لإيجاد حلول لهذه المشاكل التي جعلت الإنسان البدائي يبتكر معتقدات وأفكار حول الحياة بعد الموت وبكائنات خارقة أقوى من الإنسان.

عندما نعود بتفكيرنا إلى الوراء، إلى خبرات وتجارب الجنس البشري، التي تشكّل تاريخ الإنسان، نلاحظ أنّ الإنسان قد شكّل ثلاثة طرق مختلفة لتفسير نشاطاته. بمعنى آخر، لم تكن هناك سوى ثلاثة مفاهيم مختلفة للتاريخ، ثلاث تفسيرات رئيسية لهدف الإنسان وغايته على هذا الكوكب. صحيح أنّه قد تمّ وضع أكثر من ثلاثة تسميات لهذه المفاهيم للتاريخ، لكنّها جميعها يمكن جمعها في التسميات الثلاث التالية: أولاً، المفهوم اللاهوتي للتاريخ. ثانياً، المفهوم المثالي للتاريخ. ثالثاً، المفهوم المادي للتاريخ.

1) المقدّمة

1) المقدّمة

عندما كنت على احتكاك بالحزب الشيوعي في أمريكا، في خريف عام 1910، سمعت بعض أعضائه وهم يتحدّثون عن المفهوم المادي للتاريخ. لم يسبق لي أن سمعت العبارة من قبل وقد أصابني الفضول لمعرفة معناه الحقيقي.
وعندما تقرّبت من هؤلاء الأعضاء، طلبت منهم شرحاً لهذا المفهوم. وسرعان ما اكتشفت _كما بدا لي في ذلك الوقت_ أنّ هناك شيئاً ما مبهم فيه وأنّ الغموض يتخلّله. لقد أخبروني بأنّهم يؤمنون به وكانوا متأكّدين من أنّه مفهوم علمي أصيل، لكن كان ليس من السهل تفسيره لأنّه كان "عميقاً" للغاية. قالوا لي بأنه كان عليّ أن أقرأ كثيراً جداً لفهمه واستيعابه. فيما بعد، واتتني الفرصة لأطلب من بعض الأعضاء الدائمين والمخضرمين في ذلك الحزب أن يفسّروا لي معنى المفهوم المادي للتاريخ، لكني لم أحرز أي تقدّم يذكر. وتوصّلت إلى نتيجة مفادها أنّني كنت سطحياً جداً وعقلي ضحل بشكل معيب لأفهم هذه المسألة في ذلك الوقت.
في هذه الأثناء، كنت قد اطّلعت على مجموعة من الأوراق الشيوعية وأخذت في قراءة الكتب والكرّاسات الشيوعية أيضاً. وسرعان ما لاحظت أنّ هناك الكثير من التناقضات التي تتخلّل النظرية الشيوعية. المؤلّفون والمحرّرون كانوا يمتلكون أفكاراً ووجهات نظر مختلفة، وغالباً ما كانت متضاربة، حول مجموعة في غاية الأهمية من المسائل المبدئية. وقد فُسِّر هذا الأمر لي بأنه "اختلاف جائز في الآراء ووجهات النظر من جانب الكتّاب". وقد تمّت طمأنتي بأنّ كل شيء على أحسن ما يرام. وأنّ "ضمن أي حركة ديمقرطية كحركتنا، يجب السماح لحرية التعبير بين الأفراد".
لم أكن راضياً بهذا الجواب. إذ شعرت أنه لا بدّ أنّ هناك شيء ما خاطئ في حركة سمحت بكل هذه الآراء المختلفة على مبادئ الشيوعية. فالآراء المتعارضة والمتضاربة بشكل مباشر قد لا تكون جميعها صحيحة بالضرورة. كنت ما أزال شخصاً متديناً، إلا أني كنت شكوكياً بعض الشيء، وطرحت السؤال التالي بشكل طبيعي: ((ما موقف الشيوعية من الدين؟))
تلقّيت على سؤالي هذا ثلاثة إجابات مختلفة. فقد أخبرني البعض أنّ الشيوعية والدين في توافق وانسجام تام، وأنّ ((الشيوعية تمثّل المسيحية العملية)). آخرون أخبروني أنّ ((الشيوعية فلسفة مادية ولذلك لا تترك أي مجال للإيمان بالغيب أو الماوراء)). وكان هناك آخرون قالوا لي ((أننا لا نقف أي موقف من أي نوع من الدين، فهو مسألة خاصة)). ولطالما حيّرتني هذه المواقف والآراء المتضاربة.
من بين الكتب التي كنت قد اشتريتها كانت أعمال كل من كارل ماركس وفريدريك أنجلز. وكنت سابقاً قد قرأت بعض المخطوطات التي جرى ذكرها ورأيت العديد من الاقتباسات من أعمالهما خلال الاجتماعات الشيوعية الدورية. ثمّ قلّبت انتباهي لكتاباتهما وبعد فترة بدأت بفهم المقصود من فكرة المفهوم المادي للتاريخ. وكلما قرأت كتاباتهما أكثر، اتضّحت الفكرة بشكل أكبر. وبدأت بالتغلّب على موقفي السابق غير المحدّد في السؤال عن الدين، وعلى الأسئلة الأخرى، كالإصلاحات الاجتماعية، وظيفة المنظّمات الفردية (أي الاتحادات)، الدولة، والمؤسسات الأخرى. وتوصّلت إلى نتيجة مفادها أنّه إذا كان كل من كارل ماركس وفريدريك إنجلز محقين، فأغلب الذين يطلقون على أنفسهم لقب شيوعيين، يجب أن يكونوا مخطئين.
في ذلك الوقت كنت متحمّساً جداً بشأن التأثير المنير لمفهوم المادية التاريخية. إذ أنّه كان قد سلّط الضوء على مدى ضآلة المعرفة التاريخية التي كنت أمتلكها سابقاً. كنت قد تعلّمت إلقاء المحاضرات للتو. وكنت قد خضت بعض النقاشات حول مبادئ الاقتصاد والتاريخ الصناعي. وقد حدث لي بأني أدركت أنني إذا تمكّنت من تفسير معنى المادية التاريخية للعمال والطبقات العاملة، فإنني بذلك أستفيد من وقتي أيّما استفادة. لقد حاولت تجربة المادة الموجودة تحت تصرّفي وأصبحت كثيراً ما ألتقي بسؤال لطالما أزعجني وأقلقني. كان السؤال على الشكل التالي: ((من الجيد استخدام مفهوم المادية التاريخية  لتفسير الأشياء والأمور المادية وعلاقاتها، لكن كيف لنا أن نفسّر من خلالها الأمور الروحية، هل يمكن لمفهوم المادية التاريخية أن يقوم بذلك؟))
كان هذا هو التحدّي الذي أجبرني على التوصّل إلى استنتاج مفاده أنّه إذا لم يكن من الممكن تفسير الأمور الروحية من وجهة نظر المادية التاريخية، عندئذٍ لابد أنّ هناك خطأ معيّن يتخلّل مفهوم المادية التاريخية. كنت مؤمناً أنّ ذلك ممكن، وشرعت في العمل فوراً. البيانات الواردة خلال الفصول التالية قد تمّ جمعها من مصادر مختلفة. ولا أنسب أيّة أفكار لي. كل ما قمت به هو أني جمعت أفكار الآخرين مع بعضها بهدف اكتشاف المكان الذي جاء منه ما يسمى بالأمور الروحية، وأيضاً بهدف إجراء مقارنات مع التفسيرات الأخرى للتاريخ، لإثبات صحّة ومعقولية المنهج الماركسي.

جون كيراتشر

شيكاغو، 1929

السبت، 19 أكتوبر 2013

العنوان والمحتويات

كيف وُجِدَتْ الآلهة
[دراسة في المادية التاريخية]
  
رسالة "كيف وُجِدَت الآلهة" للمفكر الأمريكي جون كيرتشر نشرها خلال عام 1929 يقدّم فيها شرحاً في سياق المادية الديالكتيكية التاريخية لظهور فكرة الله والدين.
  
تأليف
 جون كيرتشر 
ترجمة

إبراهيم جركس
How The Gods were Made 
(A Study in Historical Materialism)

By:
John Keracher
Chicago 1929


المحتويات

1)  مقدّمة
2)  كيف وُجِدَتْ الآلهة
3)  المفهوم اللاهوتي
4)  المفهوم المثالي للتاريخ
5)  المفهوم المادي للتاريخ
6)  الأديان: ظلال جوهر حقيقي
7)  الحياة بعد الموت: الروح
8)  الفايكينغ
9)  الآلهة النرويجية
10)                   الآلهة الإغريقية
11)                   الأولمب
12)                   المحمديون
13)                   المسيحيون
14)                   أورشليم الجديدة
15)                   الإقطاعية
16)                   الإصلاح
17)                   العمال الذين ظلّوا متدينين
18)                   الطبقة العاملة الملحدة
19)                   البروليتاريا الثورية
20)                   التنظيم والتحرّر